ذهب موسى مع الرجل الصالح، وركبا سفينة فرأى موسى الرجل يمسك مسمارا، ويصنع ثقبًا في أرض السفينة، فغضب موسى وصاح به أنه سيغرق السفينة، وهم أكرموهم وجعلوهم يركبونها، فهل ذلك جزاء المعروف؟
قال الرجل الصالح لموسى أنه أخبره، أنه لن يستطيع الصبر على أعماله؛ فخجل موسى ووعده أنه لن يتجادل معه مرة أخرى.
كان لدى موسى غلامًا من بني إسرائيل، اتبعه وسار صبيًا له يسمع كلامه، ويسير معه، وأخبر الله تعالى موسى أنه سيجعله يقابل رجلًا صالحًا، يتعلم منه وسوف يقابله عند مجمع البحرين.
أخذ موسى صبيه وذهب إلى مجمع البحرين ولكنهما لم يجدا أحدًا فاصطادا من البحر سمكة ليأكلوها، عندما يجوعوا ثم استلقى موسى نائما بجوار الصبي.
تسللت السمكة من الكيس، وقفزت إلى البحر مرة أخرى، فحاول الصبي الإمساك بها، فلم يستطع، ثم استيقظ موسى وذهب مع صبيه للبحث عن الرجل الصالح.
شعر موسى بالجوع، فأمر الصبي بإخراج السمكة ليطهوها ويأكلوها، فتذكر الصبي أنها هربت منه على الشاطئ؛ فأخبر موسى بذلك وهو خجلًا، فلم يغضب منه موسى قال لنرجع إلى مجمع البحرين، عسى أن نجد هناك الرجل الصالح.
فلما عادا إلى المجمع؛ وجدا رجلا طيبًا صالحا اسمه الخضر يجلس على صخرة، فقابله موسى وطلب منه أن يتبعه ليتعلم منه، فأخبره الرجل الصالح أنه لن يستطيع الصبر على ما سيفعله، فوعده موسى أنه سيكون صبورًا مطيعًا.
وفي يوم أخبر موسى قومه أن الله يأمرهم بدخول فلسطين، ومحاربة أهلها فخاف بنو إسرائيل وأخبروه أن رجال فلسطين أقوياء، ولن يقدروا عليهم، وأنه إذا أراد محاربتهم فليحاربهم هو وربه.
غضب موسى من قومه أشد الغضب، وقال لهم أنهم نسوا نعم الله عليهم حيث نجاهم من بطش وطغيان فرعون وجنوده، وجاء بهم حيث الأمان، ورزقهم بالظلال والأمطار والفواكه والسمان، ثم هم يعصون أوامر ربهم.
فلما يأس موسى من قومه دعا الله أن ينصره عليهم، فأخبره الله أنه سيحرم عليهم فلسطين لمدة أربعين عامًا، وأنزل الله غضبه عليهم فأرسل الرياح التي اقتلعت الخيام واشتعلت النيران في أمتعتهم.
خاف بنو إسرائيل خوفا شديدًا، وفروا في البلاد متفرقين، وأصبحت الصواعق تنزل عليهم وتعمي عيونهم، حتى فروا هاربين.
ذات يوم استيقظ بنو إسرائيل على نبأ مقتل أحد الرجال، فسأل موسى من منهم قتل الرجل فخاف الناس من عقوبة القتل حيث كان مكتوبا في الألواح: أنه من قتل نفسا تقام عليه عقوبة القتل ويُقتل.
فسأل موسى ربه في الدعاء أن يظهر القاتل، فأمره الله سبحانه وتعالي أن يذبح بقرة ويسلخ جلدها، ثم يضرب بجلدها الرجل المقتول، وسوف يعود حيا ويخبرهم عن القاتل.
أخبر موسى قومه بذلك؛ فسألوه عن مواصفات البقرة، فلما سأل موسى ربه عن صفاتها أجابه، أنها ذات سن متوسط لا هي كبيرة ولا هي صغيرة.
فسألوه عن لونها فدعا موسى ربه يسأله عن لونها، فأجابه الله أنها ذات لون أصفر فاقع.
فسألوه عن باقي مواصفاتها؛ فأخبرهم أنها لا تجر المحراث ولا الساقية، فأخذوا يبحثون عن تلك البقرة حتى وجدوها، وضربوا بجلدها الرجل المقتول، فقال اسم قاتله فأمر موسى بقتله.
عاد موسى إلى قومه ومعه الألواح فتفاجئ بهم يعبدون صنمًا ذهبيًا على شكل عجل له خوار، غضب موسى غضبًا شديدًا، وأمسك أخيه هارون وتشاجر معه، وألقى عليه أشد اللوم، فقد أوصاه من قبل على قومه.
قال هارون أنه خاف أن يطيعه بعض القوم ويعصاه الآخرون، فيتجادلون ويتفرقون، فتركهم حتى أتى موسى، فسأله موسى عن صانع ذلك التمثال، فأخبره أنه رجلًا يدعى السامري.
فذهب موسى إلى السامري، وسأله كيف صنع هذا العجل فأجابه السامري بأنه جمع ذهب القوم وقام بصهره وتحويله على شكل عجل، واتخذه بنو إسرائيل إلها يعبدونه، فأخبره موسى بأن الله سيعذبه عذابًا شديدًا لما فعله، وحرّق العجل.
وأخذ موسى الألواح لبني إسرائيل، وأخذ يشرح لهم ما كتب فيها من تعاليم الدين، ثم أمرهم أن يذهبوا معه إلى فلسطين للحرب فرفضوا، وكاد الله أن ينزل عليهم غضبه بسقوط الصخرة، لولا أن تابوا، واستغفروا ربهم
وبالفعل انتظروا حتى نام الناس، وخرجوا بأمتعتهم وملابسهم إلى ناحية البحر الأحمر، وفي الصباح اكتشف قوم فرعون أن بني إسرائيل، قد هربوا من مصر، فأخبروا فرعون فخرج ورائهم بجنوده وأسلحته.
لحق فرعون وجنوده بموسى وبني إسرائيل، فلما رأى بنو إسرائيل قوم فرعون خلفهم، خافوا خوفًا شديدًا، وألقوا على موسى اللوم، وأوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه، فلما ضربه؛ انشق طريقًا يابسًا وسط البحر.
مر موسى وبنو إسرائيل من الطريق، حتى وصلوا للشاطئ الآخر، ولحقهم فرعون وجنوده وبينما هم يجرون خلفهم، انطبقت عليهم المياه؛ فأغرقتهم وقال فرعون وهو ينازع الموت: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولكن هيهات فقد فات الأوان، وغرق فرعون وجنوده جزاءًا بما فعلوا.
تناقل الناس فيما بينهم، أن ما يفعله فرعون ببني إسرائيل من تعذيب، هو سبب ذلك الفيضان، فأرسل فرعون لموسى وأخبره أنه إذا استطاع أن يوقف الفيضان، فسيكف عن تعذيب بني إسرائيل.
دعا موسى ربه أن يوقف الفيضان، فهدأ الفيضان، ولكن لم يرتدع فرعون واستمر في التعذيب؛ فأرسل الله عليه جيوش الجراد لتخرب المزارع والحقول، وخرجت الضفادع على الناس في منازلهم وامتلأت ملابس وشعر الناس بالقمل.
قال فرعون لموسى أن يوقف ذلك الغضب، وسيكف عن تعذيب بني إسرائيل، فدعا موسى ربه؛ فتوقف الجراد والضفادع والحشرات، ولكن فرعون أخلف وعده واستمر في التعذيب.
ولم يكف الله في غضبه على فرعون، فحول الماء إلى دماء، فصاح أهل البلد على فرعون أن ما يحل بهم بسبب طغيانه وتعذيبه للأبرياء، فوعد فرعون موسى أنه سيمتنع عن تعذيب بني إسرائيل، وسيجعلهم أحرارًا إذا رفع عنهم ذلك البلاء.
بالفعل استجاب الله لموسى وعاد الدم ماءًا مرة أخرى، وأصبح بني إسرائيل أحرارًا من قبضة فرعون؛ فاتفق موسى مع قومه على الهروب من مصر، ومن ظلم فرعون وجنوده، واتفقوا على أن يهربوا ليلًا على ضوء القمر؛ حتى لا يشعر بهم أحد.
اجتمع السحرة في اليوم المقرر، وكان فرعون قد وعدهم بمكافئات وهدايا عظيمة، إن تفوقوا على موسى في السحر، ثم بدأ العرض فسألوه من يبدأ، فقال موسى ابدءوا أنتم.
قام السحرة بإلقاء العصية فأصبحت ثعابين كبيرة وصغيرة تتلوى على الأرض، فخاف موسى في نفسه، فأوحى له الله (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)
فألقى موسى عصاه؛ فأصبحت ثعبانًا كبيرا التهم كل الثعابين التي على الأرض، مما أفزع الناس، ثم مد موسى يده إلى الثعبان؛ فعاد عصا مرة أخرى، وأدرك السحرة أن موسى ليس ساحرًا، بل هو رسول من الله بعثه الله بالمعجزات.
قالت السحرة في نفس واحد، أنهم آمنوا بالله وبرسوله، وخروا ساجدين على الأرض، مما أغضب فرعون أشد الغضب، وهددهم بالتعذيب، وأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم ويصلبنهم على الشجر جزاءًا بما فعلوا.
لم يخاف السحرة من تهديد فرعون لهم وقالوا له افعل ما تريد؛ فنحن نخشى الله ونريد الآخرة ولا نريد الحياة الدنيا، وبدأ فرعون في تعذيبهم، فغضب الله عليه وأرسل عليهم فيضًانا من النيل أغرق المزارع والبيوت.
ذهب موسى إلى منزل أخيه هارون في مصر، وأخبره بما أمره الله به، فوافقه هارون على ذلك، وذهبا إلى قصر فرعون، ولما دخل موسى على فرعون أطلق الله لسانه، فأخبره أنه رسول من الله إليه يدعوه إلى الإيمان بالله.
عرفه فرعون وقال له بأنه رباه عندما كان صغيرًا، ورغم ذلك تمرد عليه، وقتل رجلًا مصريًا؛ فرد عليه موسى، أنه ندم على فعلته وتاب الله عليه، وأنه الآن جاء بمعجزات من الله إلى فرعون وقومه، يدعوهم للإيمان به.
فسأله فرعون ما هي تلك المعجزات التي يتحدث عنها؟ فقام موسى بإلقاء عصاه على الأرض؛ فأصبحت ثعبانًا طويلًا، ثم أدخل يده في جيبه؛ فخرجت بيضاء كلون الثلج.
اتهمه فرعون بالسحر والضلال، وقال بأنه سيقوم بجمع كل السحرة لديه ويدعوهم للتنافس مع موسى، ليثبت له أنه مجرد ساحر وليس رسولًا كما يقول.
لم يدري موسى ماذا يفعل عند سماعه الصوت، وخاف وتسمر في مكانه لا يخرج صوتًا، حتى نادى عليه الصوت مرة أخرى، يسأله عن العصا الذي يمسكها في يده.
فأجاب موسى أنها عصاه التي يستخدمها في رعاية الغنم، ويستخدمها في أشياء أخرى أيضًا، فأمره الصوت أن يلقي بعصاه على الجبل، وبمجرد أن ألقى موسى العصا تحولت العصا إلى ثعبان يتحرك.
ارتعب موسى من ذلك المنظر، وحاول الفرار فناداه الصوت ألا يخاف، وأن يأخذ عصاه مرة أخرى، فهي لن تضره، فأمسكها موسى فعادت عصا مرة أخرى، فاندهش موسى من ذلك أشد الاندهاش.
أمره الله مرة أخرى أن يقوم بإدخال يده في جيب قميصه، ففعل ذلك فوجد يده تخرج بيضاء يظهر بياضها في الظلام الأسود، فخُيل له أنه أصيب بمرض في يده؛ فأجابه الصوت ألا يخشى شيئا؛ فهو ليس مرض بل معجزة من الله إليك.
وأمر الله موسى أن يعود إلى مصر، ويذهب ليدعو فرعون وقومه إلى الإيمان بالله، ويريهم تلك المعجزات التي وهبها الله له، أصيب قلب موسى بالخوف أن يقتله فرعون انتقامًا لقتله المصري، كما أن لسان موسى ليس فصيحًا.
فقال له الله ألا يخاف، وأنه سيرسل معه أخيه هارون؛ كي يسانده ويكون معاونًا له، حتى لا يجزع، ثم عم الصمت المكان فلما وجد موسى أن الصوت قد اختفى، عاد مسرعًا إلى زوجته وأخبرها، أنهم سيعودان إلى مصر.